ابن عجيبة
347
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال الورتجبي : إن اللّه غلب الإنسانية على الكون ؛ طاعة ومعصية ، فإذا رزق الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها ، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم معصيته ؛ لأن طاعته ومعصيته من تواثير « 1 » لطفه وقهره ، علا بنعت الاستيلاء على الوجود ، فإذا فسادها يؤثر في برّ النفوس وبحار القلوب ، ففساد برّ النفوس : فترتها عن العبودية ، وفساد بحر القلب : احتجابه عن مشاهدة أنوار الربوبية . ه . قلت : وقد يقال : ظهر الفساد في بر الشريعة ؛ بذهاب حملتها ، ومن يحفظها ، ويذب عنها ، وفي بحر الحقيقة ؛ بقلة صدق من يطلبها ، وغربة أهلها ، واختفائها حتى اندرست أعلامها ، وخفى آثارها ، والبركة لا تنقطع . وذلك بسبب ما كسبت أيدي الناس ؛ من إيثار الدنيا على اللّه ؛ ليذيقهم وبال القطيعة ؛ لعلهم يرجعون إليه ، إما بملاطفة الإحسان ، أو بسلاسل الامتحان . قال في لطائف المنن : سأل بعض العارفين عن أولياء العدد ، هل ينقصون ؟ فقال : لو نقص منهم واحد ؛ ما أرسلت السماء قطرها ، ولا أنبتت الأرض نباتها ، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ، ولا بنقص أمدادهم ، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد اللّه وقوع اختفائهم ، مع وجود بقائهم . فإذا كان أهل الزمان معرضين عن اللّه ، مؤثرين لما سوى اللّه ؛ لا تنجح فيهم الموعظة ، ولا تميلهم التذكرة ، لم يكونوا أهلا لظهور أولياء اللّه تعالى فيهم ، ولذلك قالوا : أولياء اللّه عرائس ، ولا يرى العرائس المجرمون . ه . قال القشيري : ( قل سيروا ) ؛ بالاعتبار ، واطلبوا الحقّ بنعت الافتكار ، وانظروا : كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال ؟ وقيسوا عليها حكمكم في جميع الأحوال ، ( كان أكثرهم مشركين ) : كان أكثرهم عددا ، ولكن أقل في التحقيق ؛ وزنا وقدرا . ه . ثم أمر بالتأهب ليوم المعاد ، وبه يندفع عن الخلق الفساد ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 43 إلى 45 ] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 45 )
--> ( 1 ) هكذا في الأصول ، وكذا في الورتجبي . ولعلها : تآثير ، جمع تأثير .